إذا فشلت كل أنواع العلاج، فالوقت شافٍ

لا يستطيع العلاج النفسي  في علم النفس أن يقدم الكثير للمصابين بحالات متقدمة من الاكتئاب، وقد اكتشف "ستايرون" أنه لا العلاج النفسي ولا العقاقير قد ساعدته بأية حال في التخفيف من حدة اكتئابه. ورغم مزاعم العديد من الأطباء، فقد كان يعرف أن الاكتئاب الحاد ليس له علاج سريع المفعول.

قد تؤدي مضادات الاكتئاب، أو العلاج النفسي المعرفي، أو مزيج منهما دوراً في علاج ذوي العقول المعذبة، ولكن المصاب بالاكتئاب لا يستطيع الاعتماد على أي منهما اعتماداً كاملاً. ورغم التقدم الذي حدث في أساليب العلاج، فليس هناك علاج أو لقاح سريع المفعول. إن أسباب الاكتئاب تظل غامضة.

 

ولم يبدأ اكتئاب "ستايرون" في الشفاء إلا بعد أن دخل المستشفى. وهو يعتقد ان التوازن في الرعاية الطبية أنقذ حياته، وكان يتمنى لو كان قد فعل هذا من قبل. وكتب يقول: "أرى أن العلاج الحقيقي لي كان يتمثل في الانعزال عن الناس والوقت".

وقد خرج "ستايرون" من هذه التجربة وهو يعرف أنه رغم أن المكتئب يرى حالته على أنها حالة دائمة، فإنها أشبه بعاصفة تهدأ حدتها في النهاية، وما دام المرء حيّاً فسوف يهزمها. ويتذكر الموضوع الرئيسي في رواية "كامي" The Myth of Sisyphus من أن البشر لديهم التزام بأن يحاولوا أن يبقوا على قيد الحياة حتى لو لم يكن ثمة أمل ظاهر واضح أمامهم. ما أسهل قول هذا على فعله، ومع ذلك فإن كل المصابين بالاكتئاب تقريباً يتعافون منه دون أن يصيبهم أذى. وبالنسبة لمن تعافى منهم من الاكتئاب، فإن بانتظاره شعوراً ممتعاً بهيجاً.

تعليقات ختامية

يعتقد "ستايرون" أن الكثير مما كُتب عن الاكتئاب "متفائل بصورة غير مبررة"، فرغم أن بعض المصابين بالاكتئاب يستجيبون بصورة جيدة لبعض الأدوية، أو لصور معينة من العلاج النفسي، فليست معرفتنا بالاكتئاب متقدمة لدرجة تجعلنا نقدم وعوداً قاطعة بالشفاء منه. والطبيعي أن يتحمس المصابون بالاكتئاب للاعتقاد بوجود شفاء سريع، ولكن هذا التوجه يعرضهم للإحباط عندما لا يجدون شفاءً سريعاً لبؤسهم. ألَّلف "ستايرون" هذا الكتاب قبل خمسة عشر عاماً، ومع ذلك فلم تتغير الحال حتى الآن.

عندما نعتبر أن الاكتئاب مرض يشتت شعورنا بذواتنا أو يظهر مشاكل لدينا في هذا الشعور، فإنه ليس من المستغرب ألا يوجد علاج سريع له. يتضمن الاكتئاب اضطراباً في كيمياء المخ، وقد ينتج أيضاً عن الحوارات السلبية الداخلية لدى الفرد، وما وراء ذلك فإنه نتيجة للشعور العام للمرء تجاه ذاته. وعلى سبيل المثال، لم يستطع "ستايرون" فهم نوبات الاكتئاب التي اصابته إلا من خلال تأمله في حياته بالكامل. وكانت بعض أسباب اكتئابه بدنية – مثل إقلاعه عن الشراب، وتعاطيه المهدئات بجرعات غير صحيحة – ولكن كان لهذه الأسباب دوافع أكثر عمقاً تتعلق بالهوية والماضي.

لن تستغرق قراءتك لكتاب الظلام المرئي وقتاً طويلاً؛ فعدد صفحاته أربع وثمانون صفحة. رغم أن الكثيرين من المبدعين وقعوا فريسة للاكتئاب، فإن عليهم أيضاً ومن مسئوليتهم أن "يصفوا ما لا يمكن وصفه"، ومحاولة "ستايرون" في هذا الصدد هي الأفضل، حيث إن ما كتبه عن الاكتئاب لا تصيب قارئه بالاكتئاب، بل ترفع من معنوياته!

"ويليام ستايرون"

ولد عام 1925 بمدينة نيوبورت نيوز بولاية فيرجينيا، وكان يستطيع القراءة في سن صغيرة، ونشر الكثير من القصص القصيرة من تأليفه في جريدة المدرسة.

حصل على البكالوريوس من جامعة ديوك، ثم انضم بعد تخرجه في القوات البحرية الأمريكية، حيث خدم برتبة الملازم أثناء السنتين الأخيرتين من الحرب العالمية الثانية. وبعد ان أنهى الخدمة العسكرية، استقر في نيويورك، وعمل في القسم التجاري بمؤسسة ماكجروهيل للنشر، ثم التحق بالكلية الجديدة للبحوث الاجتماعية لأخذ دورات تعليمية في الكتابة والتأليف. عاش في باريس في بداية الخمسينات من القرن الماضي، حيث أسهم في تأسيس المجلة الأدبية الشهيرة Paris Review.

وكانت أولى رواياته Lie Down in Darkness (1951) – التي تحكي عن محاولة شابة من أسرة راقية الانتحار – قد حققت نجاحاً ادبيّاً مذهلاً جعلته يحصل على جائزة Prix de Rome من الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون. ومن كتبه الأخرى The Confessions of Nat Turner (1967)، وهو الكتاب الذي فاز بجائزة بوليتزر، و Sophies Choice (1979)، وهو الكتاب الذي حقق أعلى المبيعات، وفاز بجائزة الكتاب الأمريكي، وتحول إلى فيلم من بطولة "ميريل ستريب". والجائزة التي فاز "ستايرون" بها عن كتاب الظلام المرئي هي جائزة Prix Mondial Cino del Duca – وهي جائزة سنوية للأدباء أو الفنانين أو العلماء الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في تطور الحركة الإنسانية. توفى "ستايرون" عام 2006.

التعليقات  

+1 #1 Hassn Abulhassan
I do like that man
اقتباس

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد

التاريخ

August 2017
SunMonTueWedThuFriSat
12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031